لماذا ابتعدت عن الرياضة وما هو السبب الذي جعلك تبتعد عنها؟ سؤال توجهنا به للكثير من الرياضيين المبتعدين عن الرياضة، بعضهم نعرف قصصهم والبعض الآخر لا نعرف الكثير عن سبب ابتعادهم، حاولنا مع البعض ضمن عينة عشوائية لأخذ آرائهم، هناك من استجاب وكتب بإسهاب ومرارة، وهناك من تحدث بإيجاز وغموض، وهناك من امتنع “لأنه لا يريد وجع الرأس”.
ولم نغلق التحقيق قبل أن نعرف رأي أحد المعنيين في القيادة الرياضية حول هذا الموضوع ليكتمل المشهد التراجيدي في الرياضة السورية التي تعج بمئات الصور والقصص المثيرة والمحزنة والمفرحة في آن واحد.
طبعا لسنا مع هذا ضد ذاك مطلقا، قد يكون هناك من هو صاحب حق، وهناك من يبالغ في الأمر، وهناك أسباب كثيرة للابتعاد أو للإبعاد، فقط حاولنا إجراء هذا التحقيق من باب الاطلاع على الوجه الآخر للعمل الرياضي،
د. معتصم غوتوق (قيادي رياضي سابق) أكد أنه لم يبتعد يوما عن الرياضة السورية منذ عام 1966، حيث ساهم في بنائها لاعبا ومدربا ومدرسا ومحاضرا ورئيسا لاتحادي السباحة وكرة القدم، وعضوا في المكتب التنفيذي لأكثر من عقدين من الزمن ولغاية عام 2011، ويضيف: لكن منذ عام 2011 حتى عام 2014 لم يتواصل أحد معي للمساهمة بأي عمل، بل على العكس أرسل (….) كتابا للقيادة يتضمن إنهاء التفريغ واستخدم عبارة (لعدم الحاجة إليه) وخلال هذه الفترة كانت هناك عروض من عدة دول خليجية اخترت سلطنة عمان لاعتبارات كثيرة.
والخلاصة كما يقول: لا يمكن أن يلتقي الجهل والعلم في مكان واحد أو الشرف والنظافة مع الأجواء الموبوءة.
تنويه: “غوتوق اليوم يخطط لبناء الرياضة في سلطنة عُمان”
من جهته، يقول رئيس اتحاد الكاراتيه السابق أيمن خردجي: كنت أشغل مناصب عربية ودولية وكانت نتائجنا وبطولاتنا متميزة جدا، واللعبة في ذروة تألقها، ولكن تم إبعادي قبل المؤتمر بـ 4 أو 5 أشهر بمؤامرة وبحجة أنني أصدرت شهادة تدريب بدل عن ضائع لمدرب سوري مقيم في الخارج، وقمنا بترفيعه درجة بقرار جماعي في الاتحاد، (وسبق أن قمنا بترفيع كل مدربينا في الإمارات بوجود رئيس المنظمة حينذاك) وتم فصلي من المنظمة بمؤامرة باتت معروفة للجميع، ويطول شرحها هنا.
يضيف : “هناك من زوّر 6 وثائق رسمية مقدمة إلى وزارة التعليم العالي، ورفعت ضدي دعوى وشكوى لهيئة الرقابة والتفتيش وللاتحاد الرياضي، فشكلوا لجنة لإدانتي”، وبالفعل، أدين الرجل من عدة جهات، ولكنه رغم ذلك دخل الانتخابات، فتلاعبوا بالأصوات وأبعدوه لينجح في عهد اللجنة المؤقتة حينها، وما يحز في نفسي – يقول خردجي – أن الكاراتيه انهارت في سورية بشكل كبير، وكان بودي أن نحافظ على مراكزنا العربية والدولية، ولكنهم أنهوا اللعبة وأخذوا المقر، وحتى مقر الاتحاد العربي للكاراتيه في المزة، وضاع منا مركز أمين عام اتحاد غرب آسيا، وكنت مرشحا لأصبح نائب رئيس الاتحاد العالمي، بل وأضاعوا على سورية بقية المناصب التي كنت أشغلها، وكثيرون يعرفون قصتي.
المحامي مجد خفاجي رئيس سابق لاتحاد الريشة الطائرة يقول: في الحقيقة السؤال يفتح الباب لشجون كثيرة، فعندما تعمل في إحدى مفاصل الرياضة بإخلاص فلا بد في النهاية بأن يتم دفعك للابتعاد لأن وجودك يشكل انكشافا لمنظومة العمل التي لا تقبل بكسر جمودها، فهي تقوم على آليات عمل لا تؤمن بأن الهدف من حيث النتيجة هو تحقيق إنجازات رياضية تستند إلى أرضية تضمن تدفق الأبطال باستمرار، بل آلية ارتجالية بحته تنتج رياضي الصدفة، مضيفاً أن منظومة العمل الرياضي في سورية لا تبني رياضيين، بل عشق الرياضي لإثبات ذاته هو من يدفعه للتمرين ولرفع مستواه دون خطة واضحة، ولهذا عمر الرياضي السوري قصير بسبب الارتجال، وكمثال على الارتجال في العمل الرياضي لا بد أن يسبقه إبعاد الكفاءات ومن هذا المنطلق تم إبعاد عضو المكتب التنفيذي السابق الدكتور شادي دويعر وهو يحمل دكتوراه في التخطيط الرياضي من جامعة كييف منذ مطلع تسعينات القرن الماضي رغم أن رياضتنا السورية تحتاج أمثاله حصراً، ومع ذلك فهو خارج منظومة العمل منذ عام ٢٠٠٥ ويعمل أستاذا جامعيا في كلية التربية بجامعة حلب ويدرّس مادة علم سلوك الحركة لدى الأطفال.
ويشير خفاجي إلى أن هذه الحالات وغيرها أثبتت له أن لا مجال لتأسيس منهج مستمر يضمن للرياضي الاستمرار والديمومة، وكل ما يحيط بطبيعة العمل الرياضي يشد للأسفل، ما يجعلك تفكر بالابتعاد إن كنت ذا طبع لا يقبل بأن تكون مجرد شخص يسد بك موقع، وغير مسموح لك إلا أن تدور في فلك تلك المنظومة وتعمل وفق نظرية الإمكانات المتاحة، التي لا تؤسس لعمل منهجي، وبذات الوقت هي مقولة تستعمل لتبرير التقصير كشماعة تعلق عليها كل الثغرات، وهكذا كنت أمام خيارين: إما الاستمرار مع “التدجين” رغبة بالاستمرار بغض النظر عن أمانة العمل، وإما الاستقالة، وهذا ما حصل.
ويقول الخفاجي: أنت لا تعرف إن كان ذلك قراراً شخصياً بالابتعاد نتيجة محاكمة عقلية واعية بعدم القبول بأن تكون جزءا من طريقة عمل عبثية، أم تلك الطريقة التي مورست عليك مقصودة لتنتهي بك بالإبعاد الاختياري ليقال لاحقاً (هو ما بدو يشتغل)!
ومن جهة أخرى -يقول خفاجي- وجدت بأنني لن أكون رئيساً للاتحاد بل مديرا للصراعات، حيث كان هناك متنافسون كثر يرغبون بالجلوس مكاني، ويعنيهم الموقع كمنصب وليس مكانا للعطاء، ولما كان ذلك لا يعني لي شيئاً وخاصة أن عملي كان تطوعيا وليس لي أي راتب او منفعة مادية فكانت تكلفة استقالتي مجرد حبر يسال على ورقة بيضاء، ولم يكن لي أي متعلقات شخصية في مكتبي سوى ختم الاتحاد ومفاتيح الباب، سلمتهم لنائبي وغادرت حتى من دون الانتظار لقرار قبول الاستقالة الذي لم يصدر حتى الآن، فليس مقبولاً أن يتم ذلك، بل صدر بعد ثلاثة أشهر تعديل عام في جميع الاتحادات، وعين نائبي بديلا عني.
ويتابع: المشكلة في الرياضة السورية أنها ليست عملا تخصصيا بحتا، بل بإمكان أي شخص الولوج بمفاصلها حتى ولو لم يكن رياضياً، يكفي أن “يدحشه” أحد ما في دورة تحكيم على سبيل المثال أو موظف في صالة رياضية وحتى مستخدم لتراه لاحقاً في موقع قيادي بحيث يشعر الرياضي الحقيقي أن العمل في المجال الرياضي أصبح (شغلة يلي مالو شغله)، ومع انتشار مفهوم الولاءات والمقربين أصبح كثيرون من أولئك أساسيون في مفاصل العمل الرياضي، ما سبب نفورا كبيرا وابتعادا للرياضيين الحقيقيين، وهذا ينسحب على الجميع في كل الألعاب، ولهذا ترى أن أصحاب الكفاءات لا ينجحون إلا عندما يعملون في الخارج، والأمثلة كثيرة.
لست نادماً على ابتعادي عن العمل الرياضي مطلقاً، لا بل أن ذلك فسح لي المجال لأتفرغ لعملي كمحام محترف، في الحقيقة هي عبارة قاسية ولكن لا بد لي من قولها: لقد شفيت منذ حوالي عشر سنوات من الرياضة السورية.
أبعدوني عدة مرات… فابتعدت
هالة المغربي مدربة وإدارية سابقة شرحت قصتها قائلة: تم إبعادي أنا والكثيرين لأسباب عامة وهي، المحسوبيات، الانتخابات الكاذبة وعدم تساوي الاهتمام بكل الألعاب من قبل المكتب التنفيذي.
وإبعاد أي شخص منتخب أو معين إن أراد العمل بخطة عمل مغايرة للتوجيهات.
أول مرة أبعدوني عن اتحاد ألعاب القوى، بعد صعود أمينة سر الاتحاد إلى المكتب التنفيذي وبمباركة منها واختراع قرعة جديدة.
بعدها تابعت العمل بنادي الجيش لتدريب لاعبي المنتخب للمسافات المتوسطة والطويلة، ورغم محاولة رئيس الاتحاد السابق محاربتي ومحاربة لاعبي النادي إلا أنه بالإصرار تفوقنا، وبمرور السنين أصبح رئيس الاتحاد نفسه مديرا لنادي الجيش وكنت عضو مجلس إدارة بالنادي لثلاث دورات، فاستغل ظرف شخصي “ولادة ابنتي الوحيدة” وغيابي عن اجتماعين للنادي أحدهما بعذر والثاني بلا عذر، حيث تم إبلاغي بالاجتماع قبل ساعة فقط، لأتفاجأ بإقالتي من مجلس الإدارة فورا “لتقصيري بعملي”، علما أن النظام الداخلي يسمح بالإقالة في حال التغيب ثلاث جلسات من دون عذر!
حتى عملي الإداري كمعاون مدير في مدينة الفيحاء تركته لأمر مشابه، حيث فوجئت بتعيين مدير أصغر مني سنا، وأقل مني بالفئة الوظيفية، ولا يملك أي فكرة أو خبرة عن مدينة الفيحاء كونه من محافظة أخرى.
وعندما سألت رئيس المنظمة عن سبب عدم تعييني مديرا، كان الجواب أنه غير مقتنع بأن تكون امرأة مدير مدينة رياضية!
وبشكل عام هناك خوف كبير من أصحاب المؤهلات والبطولات والأسماء الكبيرة لأنهم يشكلون خطرا على المتسلقين يهدد مناصبهم.
مع الأسف الكثير من الاتحادات واللجان الفنية الفرعية غالبية أعضائها لم يمارسوا اللعبة أو مارسوها بصورة غير منتظمة، بينما نجوم الألعاب خارج المعادلة… لماذا؟
وهذا كله كرمى لعيون الأصوات في الانتخابات، أنا حاليا مبتعدة برغبتي، لأنني تعبت من الصراعات والمحسوبيات ومحاربة الكفاءات لا سيما الأنثوية، ولا أزال أرفض أن أكون مجرد رقم كبقية الأرقام بلا هوية خاصة، ولأن الجو العام في المنظمة يسير من سيء إلى أسوأ، فكل دورة انتخابية تكون أسوأ من سابقتها، وأي عضو اتحاد أو إدارة معرّض للشطب بأي لحظة إذا ابتعد قليلا عن الخط المتعرج المرسوم للرياضة.
توفيق سرحان أمين سر سابق في اتحاد كرة القدم قال بصراحة، ردا على تساؤلاتنا “لا أستطيع ذكر الأسباب!”…
فاروق سرية عضو مكتب تنفيذي، ورئيس اتحاد كرة القدم سابقا قال، عندما يكون في الرياضة حرية وديمقراطية، وبعيدة عن التسلط والإملاء على أصحاب القرار، وعدم استبعاد القيادات الرياضية، ستشاهد المؤهلين قياديا وإداريا موجودين لأن حب الوطن والرياضة يسري بدمائهم والإنجازات تشهد بذلك.
أحمد مشمش رئيس اتحاد الجمباز سابقا: أنا لم أبتعد عن الرياضة ولكن هم الذين أبعدوني عنها لأنني لست من “…..” الموجودة حاليا في القيادة الرياضية، وأخص هنا شخصين.
وعندما أبعدوني كنت منتخبا لرئاسة الاتحاد في المؤتمر الانتخابي، ومن كوادر اللعبة على مستوى القطر، وبضعف الأصوات عن المرشح الآخر، وكان أثناءها المحامي الأستاذ محمد يوسف الطباع، أي كانت الأصوات 52/26 ولأنني لم ولن أتنازل لهؤلاء عن أن أقوم بالعمل الإيجابي الذي يرضونه في تلك الأثناء، وفق رؤيتهم، فقد اتخذوا قرارا مجحفا من المجلس المركزي حينها، ومغطى بشكل غير قانوني من إحداهن كونها كانت مسؤولة عن الرياضة حينذاك، والتي لم تفهم من الرياضة حتى اسمها، وفي حينها تم إبعاد أربع رؤساء اتحادات ألعاب، هي الكرة الطائرة وكان رئيسها جمال عكاش والكيك بوكسينغ وكان رئيسها العميد جلال ماء البارد ورئيس اتحاد الرياضات الخاصة وكان رئيسها رياض رضوان واتحاد الجمباز الذي كنت أنا رئيسه ولدي الكثير لأقوله لو يتسع لي المكان.
عارف سلو، لاعب وإداري سابق قال، قضيت ٦٠ عاما في الرياضة بين لاعب ومدرب وإداري وقيادي فيها، وأعطيتها جل وقتي وعمري من أجل بناء جيل المستقبل الذي يعتز بانتمائه لوطنه، وأبعدت ومن ثم ابتعدت عنها لأنها لم تعد لأهلها وتحولت لمصالح خاصة على حساب الرياضة الحقيقية متناسين أهدافها السامية، رغم أنها أضحت الرياضة في وقتنا الحاضر مقياسا للحضارة ومن أفضل الصناعات، فكان لابد من اعتزالها وأنا في ألم وحسرة لما وصلت إليه.
المصدر: الأيام
نبتعد عن سياسة الاقصاء
وحول هذا الموضوع كان لابد من التواصل مع أحد أركان القيادة الرياضية الحالية، حيث يوضح د. ماهر خياطة نائب رئيس الاتحاد الرياضي العام قائلا:
لطالما كان نهج وتوجيهات القيادة الرياضية يقوم على استقطاب جميع الجهود والكفاءات والكوادر القادرة على العطاء والموجودة خارج الاتحاد والابتعاد عن سياسة الإقصاء والإبعاد. فالساحة الرياضية تتسع لتواجد الجميع والاستفادة منهم لما تشكله الخبرة الرياضية من مرتكزات أساسية في تدعيم ركائز العمل الفني، وحتى لو تم تشكيل لجان جديدة في جسم الاتحادات كلجنة خبرات، أو لجنة استشارية تكون معينة لاتحادات الألعاب بالآراء والأفكار البناءة، وهذا الأمر كان يتحقق عند البعض ويصطدم بعقليات بعض القائمين على العمل من باب المخاوف والاستئثار بالموقع تحت مسميات عدم مقدرة الآخرين على التأقلم مع استراتيجية وإدارة القائمين عليه ما قد ينعكس سلبا على العمل.
ومن الممكن أن يؤثر البعض الابتعاد عن خلفية عدم المقدرة على الانسجام مع القائمين على إدارة العمل حفاظا على تاريخهم وسجلهم، حيث يرى البعض صعوبة بأن يأتمر بأمر من هم أقل منه فكرا وقيمة، وهي نقاط لا يمكن نكرانها ضمن منظومة الفكر في الاتحاد الرياضي.
بكل الأحوال نحن نعمل بعقلية الانفتاح على الجميع، وتواصلنا مع معظم الكوادر لتكون دوما بصورة واقع العمل من أجل الوصول للحالة الأفضل بواقع رياضتنا فإدراكنا بأن تكاتف الجهود وتشارك الجميع لابد أن يصب بمصلحة نجاح وتطوير رياضتنا.
ماذا بعد؟
حتى لا نكون طرفاً في هذه المعادلة الصعبة، لابد من القول وبصريح العبارة، إن غالبية المبتعدين أو المبعدين عن الرياضة السورية لديهم إنجازات، وتم تأهيل الكثير منهم بدورات عديدة، والبعض لديه مناصب قارية ودولية، وبالتالي اكتسب خبرات متراكمة على مدى سنين طويلة، وصُرف عليه المال الكثير ليصل إلى ما وصل إليه، وفي يوم وليلة يجد نفسه خارج المنظومة لحسابات كثيرة.
البعض من هؤلاء قد لا يجد نفسه ضمن هذه الأجواء، وقد لا يرغب بتأهيل غيره ليخلفه في المكان، أو يرى نفسه أكبر بكثير من غيره، أو يقوم بتهميش من حوله، أو حتى يرتكب مخالفات عديدة بقصد أو بغير قصد.
ما يهمنا من هذا العرض أن ثلة من هؤلاء يعملون في الخارج بمهنية عالية، ويرسمون استراتيجيات عمل، ويبنون مستقبل الرياضة في الأماكن التي يعملون بها، فلماذا يبدعون هناك ويهمّشون ويبعدون هنا؟
تكثر الأسئلة عن هذه الفئة من الرياضيين والقياديين والإداريين، وكل فريق يسوق الإجابة والمبررات، ولكن يبقى الخاسر الأكبر هو بلدنا، ورياضتنا التي تتقهقر إلى الوراء، وتخسر جهود خبرائها وأبطالها.
The post خبرات وأبطال خارج أسوار الرياضة والبلاد appeared first on يوميات في دمشق.
from يوميات في دمشق https://ift.tt/2FEprSx